محمد راغب الطباخ الحلبي
393
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
حلب ملكا إلى أن توفي بعد أن أوصى بماله وعليه وبقدر ما يصرف في تجهيزه وإلى عتقائه من بيض وسود سوى من كان أعتقهم بعد عوده من الحجة الثانية من نحو ستين رقيقا وإلى جواري زوجته ، وبأن يوضع على قبره عشرة مصاحف ثم يطلب عشرة من القراء المحسنين للقراءة فيقرؤون فيها كل ليلة ليتم ختمة واحدة ، وهكذا إلى تمام عشر ليال يتمها عشر ختمات ، على أن يكون لكل شخص عن كل ليلة خمسون درهما ، وأشهد عليه أنه كان قد جعل حصة بمعرة أحوان من قرى حلب وقفا على مصارف كان شرط أن تصرف بتربته التي أنشأها بجوار الإمام الشافعي رضي اللّه عنه بالقاهرة وأنه رجع عن وقفها على تلك المصارف بها إلى وقفها على تربته بحلب بمقتضى أنه شرط في كتاب وقفه الأول أنه له أن يزيد ما شاء وينقص ما شاء ويمنع من شاء ويخرج من شاء ويغير ما شاء ، وأنه جعل النظر لابن أخته قاضي القضاة جمال الدين يوسف الحنفي ثم الأرشد فالأرشد من ذريته ونسله وعقبه وحكم بذلك الحاكم الشرعي . ثم لما توفي ضبطت تركته فنافت عن سبعمائة ألف درهم وناف المبلغ المخرج لتنفيذ وصاياه عن سبع وثمانين ألف درهم . وقد كنت أحضر مع والدي في حضرته وأشاهد ما كان من نورانيته ونظرته ومن لطيف محاورته ومحاضرته ، فإذا له نور شيبة يلوح عليها أنوار الهيبة ، ومزيد يد حشمة ورئاسة ، وفرط ظرافة وكياسة ، يهوى ذكر تواريخ الناس ، ويرغب في خلطة وجوه الناس للاستيناس ، لا يشبع رائيه من شهوده ، ويعترف له بمقام الجمال بحضرة شهوده . وكان يحب والدي ويعظمه حتى بلغ والدي عنه والسلطان الغوري بحلب أنه قال : إذا عاد السلطان إلى تخته فإني أسعى لابن أختي في قضاء الحنفية بالقاهرة وآخذ عنه قضاء حلب للشيخ برهان الدين بن الحنبلي . ثم بلغه عن والدي أنه غم من أجل ذلك لأنه يرغب في القضا ولا يذهب إلى الضيق عن الفضا ، فأقلع عما صمم عليه إذ لم يقع به الرضى ، فتوجه والدي إليه ليتشكر فضله إذ أقلع عما أقلع وأنا معه ، فرفعت إليه رقعة بخطي فيها من نظم والدي هذان البيتان : مدحي وحمدي فيك قد زادني * فخرا وأوليت به جودا فدم مدى الدهر لنا سالما * لا زلت ممدوحا ومحمودا فلما وصل في القراءة إلى لفظ وأوليت قرأ : وأوذيت مداعبا ، فقال له والدي : مثل